نداء الوطن من الجنوب الشرقي

آخر تحديث : الإثنين 18 أبريل 2016 - 1:24 مساءً

منذ الأزل والأحداث والحوادث تتناسل في حياتنا،الأفراح بمسراتها على نذرتها،والأتراح بقسوتها ولا تأتي وحدها،وقد ظل البشر على الدوام موضوعا ومرفىء وقودا وحطاما لها،ولا تزيدها الكوارث الطبيعية والتطاحنات البشرية عبر المعمور إلا نشوبا وانتشارا وبشاعة؟؟.ورغم ذلك كان الإنسان على الدوام مؤمنا يدفع الأقدار بالأقدار،ويسأل الله اللطف فيما تجري به الأقدار على الأقطار والأمصار،ومن أجل ذلك يأتي من العبادات والطقوس ما شرع وما لم يشرع،ولا يمنعه ذلك من الاحتجاج والمحاسبة وتحميل المسؤولية لمن يتحملها وردعه بكل قوى الردع؟؟.ولكن اليوم بالعكس،أصبح الاحتجاج والاحتجاج القوي هو الأول والاعتراض و الاعتراض الفظيع حتى على النفس والأقدار والسخط على الكون هو السائد،وكأن الإنسان قد فقد شيئا من الإيمان و كفر بالأديان وركن في المجمل إلى أهواء العصر و”حقوق الإنسان” وهي مع الأسف لا تقدم ولا تؤخر في العديد من الجوانب مما سارت وتسير به الأكوان،فهنا برد أو جفاف أو فيضان،وهناك زلزال أو وباء أو بركان،ناهيك عن الاجتياحات والتطاحنات البشرية التي دمرت الأوطان وهجرت الإنسان ولم تعد الهيئات والمنظمات وكل قوانين العالم تستطيع إزاءها فعل شيء أي شيء؟؟.

دواعي كل هذا التقديم،هو الحادثة الفظيعة التي حدث في قصر “مصيصي” بإقليم “تنغير” في الجنوب الشرقي للمغرب،والتي ذهب ضحيتها حوالي 50 تلميذا متمدرسا حشروا كالبهائم على مثن شاحنة رمل انقلبت بهم في طريق بدوية بدائية يوم الجمعة 11 مارس 2016،فمنهم من قضى نحبه في التو ومنهم من فقأت عيناه ومن بترت يداه،فأطلقها صرخة حنين وأنين وهو يرقد في المستشفى:”بماذا سأكتب يا أبي وقد بتر هؤلاء يدي”؟؟.صرخة بكل الحمولات وكل الدلالات وكل التساؤلات والمسؤوليات،صرخة كان قد أطلق مثلها من قبل الأطفال والأبطال الرياضيون ضحايا الحافلة المكيفة على طريق”الطانطان”،والأطفال “التكوانديون” ضحايا البحر الهائج والسباحة غير المحروسة في شاطىء”البوزنيقة”،وغيرهم من الأطفال ضحايا البرد القارس في”الأنفكو”والحرائق المدبرة بليل أو نهار في الأحياء القصديرية، والاغتصابات الجنسية والتي في كل مرة هيجت وتهيج الإعلام والشارع،صرخات لا نملك إزاءها إلا الترحم على الضحايا وتعزية ومواساة الآهالي،ثم تشريح هذه الكوارث من أجل استخلاص ما يمكن من العبر التي يبدو جليا أنها لا تستخلص لا بقدر أو بآخر ولا من طرف أي جهة اوأخرى، مما يرشح الجميع وفي أي زمان ومكان أن يذوق من مرارة الكوارث التي ذاق منها غيره والتي لا قبل له بمآسيها وأهوالها؟؟.

لماذا تجتاحنا الكوارث؟ وإلى متى؟//ما هو الفرق بين الكارثة والتقصير البشري؟//كيف نعمل إذا نزل بنا القضاء و القدر؟//كيف نرد البأس عن الناس وكيف يرده غيرنا؟//من يقينا و يؤمننا من الكوارث ومتى وكيف؟.أين دور الإيمان والعلماء والخبراء والمسؤولين والمهتمين في الموضوع؟،أسئلة من الكارثة ألا يكون لها عندنا جواب،ولكن يظهر من كارثتنا في “مصيصي” أن ليس لها عندنا جوابا فعلا،نتساءل مثلا:

  • لماذا لم ترقى التغطية الإعلامية للحادثة إلى جعلها قضية وطنية كغيرها من الحوادث السابقة وقضية رأي عام يتفاعل معها الجميع كل من منطقه ومنطلقه وسعيه و وسعه؟،
  • لماذا انحصر التفاعل المخجل مع الحادثة المؤلمة على أهلها من سكان المنطقة وحساسيتهم الإثنية في الغالب،ولو انفتحوا على غيرهم من سكان الجهة وفعاليتها لوجدوا استجابة وتضامنا طالما كان معهودا عبر التاريخ؟،
  • لماذا رغم كل جهودها الجبارة هناك انطباع ميداني عام مفاده أن السلطات لا تواجه مآسي المنطقة إلا بالتجاهل التام ولو بعد الاحتجاج،أوفي أحسن الأحوال بعض الإسعاف ودر الرماد بعد الإخماد،إلى متى ستظل احتجاجات الساكنة مفتوحة على المجهول في مناجم”إيمضر”؟،وإلى متى ستظل معاناة الساكنة مع الجفاف والهجرة القسرية بلا تدابير ناجعة؟،هل فعلا تعوز حكوماتنا وجماعاتنا الترابية أو حتى جماعاتنا السلالية وجمعياتنا التنموية، شق طريق معبدة أو توفير حافلة مجهزة أو حتى بناء مؤسسة تعليمية واستشفائية في عين المكان وهي التي رفعت شعارات جودة الخدمات و”تقريب الإدارة من المواطنين”؟؟،
  • لماذا كل تدخلات المجتمع المدني المحلي وإسعافاته لم تتجاوز مجرد تأطيرات واحتجاجات غاضبة وتصريحات صارخة(مسيرات وفيديوهات)،والغضب والصراخ لا يسيئان إلا إلى صاحبهما،بل يغلقان باب التواصل والتعاون وهما اللذان يريدان فتحه على مصراعيه؟، وعلى أرض الواقع،مثلا، كم من فعاليات مدنية هادئة استطاعت بناء مؤسسة تعليمية قريبة من السكان في منطقة نائية وعقدت شراكة بشأنها مع النيابة التعليمية،بل زودتها حتى بالأطر التربوية،فضمنت بذلك القرب ومحاربة الهذر خاصة في صفوف الفتيات؟،أو تمكنت من شق طرقات وجلب حافلات بالتعاون فقط مع محسنيها وعمالها في الخارج؟،وكان لها ذلك فقط ربما لأنها راهنت على التنموي قبل الأيديولوجي أو أحسنت استثمار الواحد في الآخر، فكانت لها عقلية حل لا عقلية تأزيم،وعقلية فعل وتفاعل وإنتاج وتخطيط وتراكم لا عقلية استهلاك وطوارئ ومجرد انفعال،عقلية تضحية وعطاء وتعاون لا عقلية انعزال وتشكي وتسول على أبواب وموائد الغير أعطى أو منع؟؟.
  • و أخيرا، إلى متى ستظل تضيع تنمية الجهة الفتية الغنية البهية درعة تافيلالت بين تعدد وتضارب القطاعات الحكومية والمؤسسات التضامنية، والمجالس الجهوية والهيئات المدنية،وصناديق “شيميكولور” بالأخضر والأزرق والقوقي والبرقوقي، والوكالات التنموية للشرق والغرب والشجر والحجر والماعز والبقر وكل شيء إلا البشر الإنسان؟، وكأنه قد صدق فيها قولهم:”ما أكثر الهيئات حين تعدها ولكنها في التنمية قليل”أوتنعدم؟؟.
  • فعلا قد بذلت الدولة جهودا جبارة في بعض التحديث وبعض التنظيم الإداري،ككهربة القرى والجبال وتزويدها بالماء الشروب وبناء المدارس وشق الطرقات وتوفير الناقلات…،ولكن ذلك بلا شك لم يكن كافيا لسد الحاجة ولا عادلا في التوزيع،ودون عناء تجد في المدينة مستشفى بعشرات التخصصات في مجرد عمارة ولا تجد عشر معشاره في قرية بل حتى في جهة نائية بأكملها؟،وتجد في المدينة طرقا سيارة ومعبدة بالإسفلت الممتاز ولمئات الكيلومترات،ولا تجد في البادية أقل منها ولو لبعض الكيلومترات هي في أمس الحاجة إليها لفك العزلة؟،وتجد جماعة ترابية بكل الطاقات والمداخيل وآليات الاشتغال والفائض ةالاستثمار، وجماعات أخرى ربما مجاورة لا تدبر على الدوام غير الفقر المدقع والصراع السياسوي الفارغ على حساب مصلحة السكان؟، وتجد ملايير وملايير قد ضخت بالعشرات في جهات وجهات،في حين تترك جهات وجهات لتسولها الذاتي رغم فقرها وهشاشتها؟؟. من هنا ونحن على أبواب المخطط التنموي للعالم القروي 2016-2022،ضرورة تصحيح هذه الاختلالات بالتعاون والتنسيق بين كل الهيئات والمؤسسات وتحديد تدخلاتها بما لها من إمكانات وتتحمله من مسؤوليات، قبل التعويل في تعويض النقص البنيوي الفادح والتشويه التنموي الصارخ في الجنوب الشرقي فقط على إنسان المنطقة الحر الصبور وما يعرف به من كد وجد وتضحيات جسام تبدو واضحة في كونه استطاع بمفرده وجهده الخاص بناء مساكنه وقد جددها وإعالة أبنائه ورعي أغنامه وفلاحة حقوله وقد عافسها ولازال يحييها؟؟.

أعتقد أننا في حاجة إلى نداء الواجب الوطني،وينطلق هذه المرة من الجنوب الشرقي،وهو المغرب النافع الذي طالما أطلق عليه عكس ذلك زورا وبهتانا وغمطا واحتقارا وإهمالا، لقد رأينا مؤخرا كيف أعجب الناس وتعجب العالم من المسيرة المليونية لنداء الوطن في العاصمة الرباط وما أكدته من الإجماع الوطني حول تجديد نداء الحسن ومغربية الصحراء،ورفضنا القاطع وصدنا المنيع لكل مناورات الأعداء حول الوحدة الترابية للمملكة،وهي مسألة دستورية ومن المقدسات التي حظيت بالإجماع الوطني، ولكن الدستور والإجماع كل لا يتجزأ، ومن المسائل الدستورية المجمع حولها أيضا مسألة مساواة المواطنين أمام الحقوق والواجبات والاستمتاع بالأمن الروحي والثقافي والتنموي وضمان الدولة لذلك، ومسألة الجهوية الموسعة والتضامن التنموي بين الجهات، وهو الشيء الذي أكدت عليه دائما مخرجات المناظرات الوطنية حول الجماعات الترابية لعقود وعقود، من”التطابق”و”التعايش”و”التمازج”و”التضامن”و”اللامركزية”و”الديمقراطية التشاركية”و”الحكامة الجيدة”و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”…،وغير ذلك من الشعارات التي كان لبعضها صدى على أرض الواقع فاستجاب الشعب لواجب الوطن ولبى نداءات الحسن فتضامن وشق طريق الوحدة،وتضامن وبنى مسجد البيضاء ومعلمة البهاء،وتضامن وبنى سد الحسن الداخل،وتضامن وبدأ يحسن إلى الفقراء والأيتام والطلبة والمسنين والمطلقات والأرامل…؟، فما بال هذه الخصلة المغربية الخالصة تتراجع اليوم والوطن في أمس الحاجة إليها،مواطنون عرضة للبرد والجفاف والفيضانات وحرب الطرقات…في أمس الحاجة إليها ولا مسعف إلا بعض التفاتات الملك وجولاته التنموية الاجتماعية؟،فمتى يعرف الوطن أننا أبناؤه وقد اعترف المواطن أننا إخوانه،متى سيوفوننا نحن أبناء الجنوب الشرقي حقنا من الثروة الوطنية تخطيطا و برمجة في السياسات والميزانيات والمتابعات والحكامة والمحاسبة، وبما سيضمن للناس اطمئنانهم واستقرارهم وعيشهم الكريم في ظل أمن روحي وسكن مريح  و بدن معافى ودابة حسب القدرة والحاجة، في ظل تماسك أسري وتضامن اجتماعي وحقوق مواطنة صادقة تتساوى فيها كل الجهات وكل الفئات وكل الملفات،مساواة حقوقية منصفة وعادلة،لا مساواة ولاءات و وساطات وصدقات؟،إن الجهة الوطنية الغالية التي جمعتنا اليوم في الرباط، لازال أبناؤها يستفيدون من العديد من الريع والامتياز في الميزانيات والخدمات،في البناء والتشييد والتوظيف والإسكان والنقل والتخييم والدراسة والأسعار..؟،أفلا يحق لأخواتها من الجهات النائية وذات جبر الضرر الجماعي أن تحظى بحقها من الثروات وجودة الخدمات فتكسر هيمنة الدولة على المجتمع واستحواذ المركزي على النواحي والضواحي؟،مما قد يقيها أو يخفف عنها خطورة التقصير البشري وما يجلبه من الفقر والهشاشة وسيء الأحدوثة والأحداث؟،وقسوة المآسي الطبيعية كالتصحر والجفاف والبرد والفيضان؟،ذلكم نداء الوطن للجميع من أجل العدالة المجالية،ولنسرع أو نتباطىء في الاستجابة له كما وكيفا،فقط لنتذكر أن هناك أطفالا رحل ومستقرون،حضريون وقرويون،مهجرون وعائدون،معطلون وعاملون،أميون ومتمدرسون..،من الجنوب والجنوب الشرقي أوهنا وهناك عبر كل التراب الوطني لازالوا يرقدون في المستشفى وكل ركن لهم مستشفى فيه تبتر أيديهم أمام أعين آبائهم وما أدراك ما الأيدي كما قال عثمان أبوعمرو الجاحظ:”بالأيدي نرفع الأقلام ونفتح الكتب ونخط الكلمات على المخطوطات،وبالأيدي نرفع الإشارات ونعقد اللكمات ونضرب دفاعا عن النفس،نعقد الحبال ونطلق النبال ونخلط الصباغات ونصنع الصناعات،بالأيدي نأكل و نشرب ونرتدي اللباس،ونضرب الدفوف ونعزف الأوتار والمزامير  وندق الأوتاد والمسامير ونحسب الدراهم والدنانير،ونتوكأ للجلوس وللقيام وننحر الأضاحي ونتوضأ للصلاة..”؟،الأيادي أساس كل عادة وعبادة فما بال هؤلاء يبترونها منا ولا يمنعهم صراخنا في صمت ولا أنيننا وقد بتك الآذان:”بماذا سنكتب يا أبي وقد بتر هؤلاء أيدينا”؟؟.

الحبيب عكي

2016-04-18
الحبيب عكي